:

جهاز كشف المنافقين الجدد

محمود حشلة

المنافق في الاصطلاح الشرعي هو من يظهر خلاف ما يبطن من مسائل الإيمان، واسمحوا لي أن أعرف المنافق السياسي بأنه ” ذو مصلحة قادر على الوصول إليها أو المحافظة عليها لتمكنه من التلون السياسي بلون السلطة المعاصرة واحترام قانونها على نحو يستر به المكر بها والكيد لها سرا ” ، ومن أمثلة هؤلاء .. الجواسيس والعملاء, وأولئك يصعب التعامل معهم سياسيا لاستتارهم على نحو منظم ومرتب وإنما تتعامل معهم أجهزة التحري والبحث. لكن ما أعنيه بالنفاق السياسي بالذات تلك العناصر الفاعلة في الحركة السياسية قبل الثورة المصرية والتي كانت سندا وحصنا للنظام .. كانوا رموزا للحزب الوطني أو لم يكونوا, وانطبق عليهم قانون العزل أو لم ينطبق,  وهذا ما يميزهم عن وصف الفلول، فرب ” فل ” سفيه عاش في كنف النظام السابق جاهلا بعظم جرمه يأكل ويشرب كما تأكل الأنعام, وإنما أعني طائفة من مجرمي العهد البائد استفادت منه وظاهرته حتي جاءت الثورة ففرت وانكمشت حتي استدعاهم المجلس العسكري جملة دون تخصيص, بما انتهجه من سياسات طمأنت كل القوى المعادية للثورة فجاءت تلك الطائفة وجاهدت بكل ما أوتيت من قوة وسلطة ومال وفكر واقناع لإعادة انتاج العهد البائد وبعد أن مر الدستور تحاول الآن إعادة انتاج نفسها بمظهر جديد ولباس مختلف حتي تستطيع أن تتسلل مرة أخرى إلي مواقع تستطيع من خلالها الكيد والمكر والإفساد.
ومن خلال طوفان المصالحة – الذي تنادي به بعض القوى ليل نهار حتي تجعل منها ملجأ احتياطيا تفر إليه بعد فشلها في مؤامرة افشال الثورة – أعتقد أنه من السهل تسلل تلك العناصر إلى تلك المواقع بسبب الخلفية الثقافية التي مازالت تعلق في أذهان كثير منا، فلقب سيادة المستشار مثلا يقدم لصاحبه تقديما يَجُّبُ كثيرا من التساؤلات حول ماضيه حسنا كان أم سيئا، ولقب سيادة اللواء يوحي بالإنضباط والصرامة وهى مؤهلات يظن البعض أنها كافية لشغل كثير من المواقع، أما رجال الأعمال فحدث ولا حرج عن ” أخيار ” ينفقون بالنهار جزءًا مما نهبوه بالليل, وتمحوا صدقاتهم وابتساماتهم جرائم الاحتكار والنهب.. وهكذا تجد في كل مجال سادة لا يستطيع القانون أن يصل إلي مكنون إجرامهم, خاصة ما كان منه شفويا يعتمد على الوساطة والمحسوبية فلا يصل إليهم قانون العزل وتبدو صحفهم الجنائية ناصعة البياض وهؤلاء هم مكمن الخطر.
إن فكرة المصالحة السياسية التي تحاول بعض القوي الإسلامية الوصول إليها هى في رأيي خطأ محض في الفترة الحالية, وتبدو فكرة الحزم الثوري والسياسي والقانوني أقرب منها إلي تحقيق المصلحة, فالمصالحة كانت خيارا استراتيجيا لمرحلة ما بعد الثورة حتي نفاذ الدستور، أما وقد مرت تلك المرحلة بحشد كل مفردات الدولة العميقة الإعلامية والسياسية بل وحتي داخل الأجهزة البيروقراطية للدولة فأعملت خلالها الإضرابات والإضطرابات التي لم تخل أبدا من شهداء قدموا أرواحهم حماية للمسار الثوري وفي سبيل الله وانتهاءً بأعمال نفاق اقتصادية أقرب ما تكون إلي نظرية خيبر وبنو قينقاع, فإن الحسم الثوري يستلزم اليوم التمايز, على الأقل حتى تنتهي الإنتخابات التشريعية المقبلة، فالغرب غرب والشرق شرق وهما لا يلتقيان وكذلك يجب أن تكون الحركة الثورية بعد نفاذ الدستور. إنني أربأ بكل حزب وطائفة وجماعة أن تمد يدها للمتسللين مرة أخرى إلي العمل السياسي أو الإقتصادي أو حتي الحكومي، فالمتربصون بالشعب يجب حماية الشعب منهم.
إن الدستور يظلنا جميعا الآن وسقف احترام القانون لا يعلوه سقف، فلا يمكن أبدا ارغام الأحزاب أو الحركات التي شاركت وعضدت وظاهرت الثورة على وضع يدها في أيدي أفراد أو حركات أو طوائف دينية عادت الثورة وحاولت اجهاضها وحشدت أموالها ورجالها ونساءها وداخلها وخارجها لإسقاطها بدون وعي وبشكل كان أقرب إلي الهستيريا منه إلي العمل السياسي، لذا فإنني أهيب بالحركات السياسية الوطنية أن تحترم الشعب فتظهر أمامه بلونها الصافي دون ممالأة أو ملاءمة ودون أن تكون مضطرة إلي احتضان ” المنافقين ” حتي يقال إن ثمة مصالحة في الطريق  وليختر الشعب من يشاء.
إن مواجهة قوى النفاق السياسي والإقتصادي اليوم هي واجب الوقت من وجهة نظري, وبسطُ التعريف ليشمل أكبر قدر من تلك القوى أولى من قبضه، وغل يد الشعب عن الوصول إليهم سيمكنهم من بسط أيديهم إلي الشعب بالعداء والأذى، ولعل ما يسمى بجبهة الإنقاذ التي تدير الآن نفاقا سياسيا واعلاميا واقتصاديا سافرا ومنظما لإسقاط الدولة هى أولى تلك القوى بالمواجهة والردع، فإن اختاروا النزول إلي الشارع في حشد طائفي جديد فعلى قوى الثورة  أن تنزل في نفس الأماكن التي يدعون إلى النزول فيها، فليس من المنطق أن تنسحب القوى الثورية لتفسح المكان لبعث الحزب الوطني من جديد, ولا مانع في سبيل استشعار هؤلاء عن بعد إنشاء جهاز في كل حزب ينتمي بحق للثورة لكشف تلك العناصر وابعادها وتجلية تاريخها الأسود المستور دون التوقف عند حرفية نصوص القوانين أو الالتزام جانب الحيطة, في وقتٍ الأولوية فيه لجانب الحذر.


المصدر | alamatonline

يندرج هذا الخبر ضمن التصنيف | كتابـــات
| مشاركة هذا الخبر
لهذا الخبر علاقة بـ | ,


أضف تعليقك

1- لإدارة الموقع الحق في تعديل أو حذف أي تعليقات فيها تجريح أو إساءة للآخرين.
2- مايرد من تعليقات لاتعبر عن توجه إدارة الموقع بأي حال من الأحوال وإنما عن رأي صاحبها.