حوارات وتحقيقات هـــام

ما وراء استقبال ابن سلمان للزعيم الشيعي مقتدى الصدر في جدة ؟؟

│الخبر | تحليل خاص | أحمد فوزي

لم تأتِ زيارة الزعيم الشيعي الأبرز في العراق مقتدى الصدر، قائد التيار الصدري وأهم المرجعيات الدينية التي تمتلك حضوراً كبيراً في الشارع العراقي الا بدعوة رسمية من المملكة العربية السعودية فما الذي تغير في الموقف الرسمي السعودي خاصة بعد تولي “محمد بن سلمان” ولاية العهد خلفاً لأبن عمه (محمد بن نايف)..؟!

لم تفاجئ زيارة مقتدى الصدر للمملكة العربية السعودية، المراقبين والمتابعين للوضع الخليجي والسعودي على وجه الخصوص، ففي الوقت الذي تجاهر فيه المملكة العربية السعودية، بالعداء للمشروع الإيراني في المنطقة وجدنا توالي الزيارات لمسؤولين في الحكومة العراقية الموالية سياسياً المرجعيتان السياسية في طهران والدينية في مدينة (قُم).

وفي قراءة لخلفيات الزيارة التي جاءت بعد 11 عاما لأخر زيارة قام بها الصدر الى السعودية ، يتضح أن السعودية تعيش حالة تخبط ، خاصة أن مقتدى الصدر عرف عنه تأييده العلني لإيران، واتفاقه التام مع المرجعية الدينية التي يقودها آية الله خامنئي في طهران، كما انه كان من ابرز المؤيدين لطرد السفير السعودي لدى بغداد ثامر السبهان، الذي بدا في مفارقة عجيبة وهو يستقبله امس في جدة.

ماذا وراء هذا التغير الطارئ في الموقف السعودي ، تجاه العراق ، هل هي المخاوف الامنية من أن تؤتى الرياض من جارها الشمالي ، ام ان هناك رسائل اخرى تود ان تبعث بها من خلال هذا الاهتمام والتقارب ؟

يرى مراقبون أن الرسالة او الهدف ليست للعراق او حرصا على امنه ، بقدر ما هي نتيجة مخاوف كبيرة حكام الرياض الجدد، كما انها رسالة هامة لجار المملكة الجنوبي “اليمن”، البلد الذي يشهد حربا تقودها السعودية ودول خليجية وعربية فيما عرف بالتحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، منذ اكثر من عامين دون نتائج حقيقية تذكر.

ويرى مراقبون أن ظهور الملك الشاب الحاكم الفعلي للمملكة حالياً محمد بن سلمان اثناء استقباله لمقتدى الصدر هو رسالة سياسية مفادها أننا نستطيع استيعاب الشيعة العرب، وهو الأمر الذي يبدو مضحكاً للغاية خاصة بعد ترويج الإعلام السعودي نفسه بأن الحرب عقائدية في المقام الأول.

ويجب التذكير أن هذه الزيارة سبقتها تصريحات متتالية من المملكة وقياداتها توجت بأول زيارة رسمية بعد قطيعة 25 عاما من قبل وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إلى بغداد في 25 فبراير 2017 .

تلى ذلك وقبيل ازاحة ولي العهد السابق محمد بن نايف، (16 يونيو 2017م)، باستعداد المملكة الانفتاح على العراق، لتأتي زيارة حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي الموالي لإيران والذي يعتبر الواجهة لحكومة الظل التي يقودها نوري المالكي رئيس الحكومة السابق الذي مارس تنكيلا واسعا ومشهودا بالسنة في العراق.

وجاءت زيارة العبادي بعد أيام فقط من إعلان السعودية، والأمارات ومصر والبحرين، مقاطعة دولة قطر، وإغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية معها في 5 يونيو 2017م .(مع العلم ان كافة تلك الدول مشاركة في التنظيم الدولي لمحاربة الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا والعراق. )

تلتها زيارة مفاجئة لوزير الداخلية العراقي (مطلع شهر يوليو 2017 م)، الى الرياض، حيث وصل وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي الاثنين إلى المملكة العربية السعودية على رأس وفد رفيع المستوى، وخلال الزيارة التقى نظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، والتي جاءت في أعقاب تحرير مدينة الموصل من قبل الجيش العراقي والشرطة المدعومين بقوات ومليشيا الحشد الشعبي الشيعي.

وفي زيارة هي الأولى من نوعها وصل صبيحة  20 يوليو 2017رئيس هيئة أركان الجيش السعودي، الفريق الأول الركن عبد الرحمن بن صالح، إلى بغداد، وفسرت مصادر سياسية أسباب هذه اللقاءات والحوارات بأنها جاءت نتيجة لمخاوف المملكة العربية السعودية من تحركات تنظيم داعش في العراق بعدما خسر الموصل، ما قد يدفعه للتحرك جنوبًا في الصحراء المجاورة للمملكة، الأمر الذي قد يؤثّر على أمنها”.

وعن فحوى هذه الزيارات ومحاولة الاستقطاب الحثيثة التي تعيشها المنطقة في ظل التغيرات الجذرية التي تشهدها، منذ سقوط بغداد عام 2003م والإطاحة بحكم الرئيس الراحل صدام حسين، وترك العراق وحيدا بعد ان تخلى عنه محيطه الإقليمي العربي، لإيران التي احسنت استغلال ذلك الفراغ، واعادت صياغة السياسات وصناعة القوى الممولة مباشرة من نظام الملالي في طهران لتتشعب بقوة عن طريق الأذرع التي تم صناعتها وتمويلها على مدار السنين واثبتت ولاءً منقطع النظير لولاية الفقيه.

يتضح جليا من هذا التغير الدراماتيكي في العلاقة بين الرياض وبغداد ، أن المملكة السعودية تعيش حالة من التخبط في سياستها الخارجية في محاولة لتقوية الصاعد بقوة (محمد بن سلمان)، وبحسب مراقبين فقد تخلت الرياض عن جارها الشمالي، وظلت تتعامل مع العراق كمشكلة في حين كان الحكم في يد محسوبين على السُنة، لتأتي اليوم وبعد أن اصبحت العراق حديقة خلفية لـ “ايران” ، ووصل فيلق بدر “ذات المنشأ الايراني” إلى كل مكان في العراق وسيطرت عليها ميليشيات وتشكيلات عسكرية تعمل لصالح ايران بدأ التواصل السعودي والود المفاجئ.

تحاول المملكة ومن خلال السياسيات الجديدة والتي بدأت فعلياً منذ زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرياض، وعقد القمة الأمريكية العربية الإسلامية، إلى تسارع الأحداث على أكثر من قضية لتؤثر بشكل مباشر على الملفات الساخنة في المنطقة بما في ذلك محاولة القوى الدولية التسريع أيضا في إيجاد موطئ قدم في منطقة الشرق الأوسط برمتها وليصبح هناك مشروعين فقط في المنطقة لا ثالث لهما.

المشروع الأول والذي تقوده الأمارات والسعودية ومصر ومن خلفهم جميعا الولايات المتحدة الأمريكية يبدأ بمحاربة الفكر المتطرف وهو ما تم تبنيه في المؤتمر بل ولقى تأييداً كبيراً من قبل الملك سلمان بن عبدالعزيز، والرئيس الأمريكي ترامب، بل كان المحور الأساسي لمخرجات القمة التي حضرها أكثر من 50 زعيما من رؤساء وقادة دول عربية وإسلامية.

ورغم ان تلك القمة لم توضح ماهية (الفكر المتطرف) كتعريف او كمفاهيم واضحة لمكافحة التطرف ويبدو ذلك واضحاً من خلال مخرجات المؤتمر التي لم تخلص لرؤية واضحة حول الأمر، فالسعودية تتهم جماعات موالية لإيران بهذه التهمة، فيما ذهب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لإلصاق هذه التهمة بكافة المناهضين لحكمه وخاصة من جماعة الإخوان المسلمين، فيما تراه دولة الأمارات في الإسلام السياسي بكافة أشكاله ، وبالتالي فقد كشف هذا التناقض المعنى الفضفاض للكلمة والتي استخدمت ويبدو انها تستخدم بشكل واسع خلال الفترة القادمة لإسكات المناوئين والخصوم وقمع كل المخالفين لتوجهات تلك المشاريع.

أما المشروع الثاني فهو الذي لا تقوده إيران (صاحبة المشروع القومي الخالص) بالطبع وهو مشروع ما يطلق عليه البعض الإسلام السياسي المنفتح على الجميع والذي تقود دفته حالياً، تركيا، والتي افشلت محاولة الانقلاب في يوليو 2016، والذي اتهمت فيه دول خليجية بتمويله.

وعلى الرغم من أن حالة المنطقة وملفاتها الملتهبة إلا أننا وجدنا اتفاق في سوريا برعاية روسية أمريكية، واتفاق في ليبيا برعاية فرنسية، اما في اليمن فيبدو أن الامر لايزال مرهونا بتوطيد حكم (محمد بن سلمان).

وأمام كل هذه التطورات لم يعد هناك سوى سيناريو واحد قد تكشفه الأيام القادمة وهو أن تركيا هي الهدف القادم، لكل هذا المخاض ، ومن ثم العمل خلال المرحلة المقبلة على تجريم جماعة الأخوان المسلمين دولياً وليس فقط من قبل دول الخليج…!!

│المصدر - الخبر

أضف تعليقـك