أخبـار اليمن كتابـــات وآراء

رحيل «صالح» ومضة تأمل

│بقلم | وسام باسندوة

حزنّا على مقتل الرئيس السابق «صالح»، نعم، بالأمس، وقف كثير ممن عارضوه وثاروا عليه فى 2011 فى حالة تعجب من أنفسهم ومساءلة: لماذا نشعر بكل هذا الحزن على مقتل الرجل، الذى لطالما تمنينا رحيله؟!.
كان هذا حال غالبيتنا، القلة فقط انتابتهم لحظات تشفٍّ مقززة، بالنسبة لى فالتباهى بالتشفى فى الموت عمل لا أخلاقى لا يقل جرما عن التمثيل والتنكيل بالجثث، فهو بمثابة تنكيل بالروح والنفس، وهذا لا يعنى إنكار أن يشعر أهالى الدم ومَن لهم ثأر بالارتياح لما يعتبرونه قِصاصا إلهيا، فكلنا بشر، والإنسان مجموعة من المشاعر، لكن ما نستنكره التباهى بالتشفى.
نعم، حزنّا على مقتل «صالح» إلى الحد الذى جعل البعض يتساءل: هل نحن مصابون بـ«متلازمة ستوكهولم»، هل نحن اليمنيين وحدنا مصابون بهذا الداء؟، أم أنها ظاهرة عربية عامة؟!.
ومتلازمة ستوكهولم لمن لا يعرفها هى ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو مَن أساء إليه بشكل من الأشكال، وسُميت بذلك نسبة إلى حادثة حدثت عام 1973 فى مدينة ستوكهولم بالسويد، حين سَطَتْ مجموعة من اللصوص على بنك، واتخذوا بعض موظفيه رهائن لمدة ستة أيام، وخلال تلك الفترة بدأ الرهائن يرتبطون عاطفياً بالجناة، حتى قاموا بالدفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم.
الحقيقة من وجهة نظرى أننا غير مصابين بهذا الداء، وأننا فى حزننا وصدمتنا على مقتل «صالح» انتصرنا لإنسانيتنا ومبادئنا، فمعارضتنا لـ«صالح» لم تكن أبدا لأسباب شخصية، وإنما لأسباب موضوعية سياسية بحتة، معارضتنا لـ«صالح» لم تكن عداء شخصيا، ولم تتضمن التشخيص والتشهير والذم والقذف، وإنما بقيت فى إطار النقد السياسى.
مطالبتنا بالقِصاص العادل كانت تعنى الرغبة فى محاكمة عادلة يُحَقّ فيها الحق، فإن كان مذنبا يحاسب وفق القانون، وإن ثبتت براءته فله العتبى، وليس فى قاموسنا لغة القتل والموت.
حزنّا على «صالح»، لأن رغبتنا فى رحيله كانت تعنى الرغبة فى ترجله عن السلطة وفق أطر ديمقراطية طبيعية، وهو حق طبيعى للشعوب، ولم تكن تعنى الرغبة مطلقا فى رحيله عن الحياة.
حزنّا على «صالح»، نعم، فهو الرجل الذى لم يعرف جيل كامل رئيسا سواه، الرجل الذى دخل فى تفاصيل حياتنا اليومية بحلوها ومرها، بانتصاراتها وانتكاساتها، الرجل الذى شئنا أم أبينا كان يمثلنا كدولة الجمهورية فى المحافل الدولية، ويُحيِّى العلم اليمنى فى احتفالاتنا ومناسباتنا الوطنية ممثلا لنا جميعا، الرجل الذى كانت تمتلئ به شاشات الأخبار والصحف والشوارع والإذاعات على مدى سنوات.
حزنّا على «صالح»، لأنه قُتل على يد جماعة طائفية عنصرية إقصائية، حتى وإن كان هو مَن وضع يده فى يدها على مدى ثلاث سنوات وتعاونوا فى التنكيل بنا، ربما لو كانت الوفاة طبيعية لما استأثر بنا كل هذا الحزن.
حزنّا على «صالح»، لأن مشهد موته كان وحشيا همجيا لا يمكن أن نرضاه لأى إنسان.
حزنّا على الرجل الذى وعدنا فى لحظاته الأخيرة بأنه سيستعيد لنا دولة الجمهورية التى أسهم فى تضييعها، الرجل الذى ما كنا نصدق وعوده ونتخوف منها، لكنه فى هذه المرة، وفى لحظاته التى لم نكن نعلم أنها ستكون الأخيرة، منحنا هذا الأمل بقوة، ثم رحل.
حزنّا وتأثرنا كثيرا، لا يمكن أن ننكر، ولا نخجل من الاعتراف بذلك، على العكس نفخر به، فقد كان اختبارا حقيقيا لإنسانيتنا ومبادئنا، وانتصرنا فيه.
أردناها عدالة انتقالية، فأرادوها صفحة دموية أخرى فى تاريخنا اليمنى.
«صالح» رحل، ولم تعد تجوز عليه سوى الرحمة والعزاء لذويه، وسيبقى التاريخ يدوّن ما له وما عليه، «صالح» رحل، واليمن باقٍ، ولاستعادته جميعنا نتطلع ونتوحد اليوم.

أضف تعليقـك