كتابـــات وآراء

عدن بوابة مفتوحة

أبو الحسنين محسن معيض

│بقلم | أبو الحسنين محسن معيض

من أبجديات نجاح أي مشروع عند التكوين والتأسيس ، أن يسعى القائمون عليه إلى كسب ثقة رواده ومؤيديه . وذلك بالقيام ـ قولا وفعلا ـ بكل ما من شأنه أن يقوي أسسه ويساعد على تطوره ويساهم في تحقيق أهدافه المعلنة . وسياسيا تشكل ثقة الناس ركيزة أساس في النجاح والاستمرار ، وتتحقق من خلال العمل الايجابي البناء ، والمؤدي إلى نتائج تتوافق مع الأهداف المنشودة ، وليس إلى عكس ذلك .
والغريب هنا أن لا نجد هذا الفهم والمنطلق متوفرا لدى المجلس الانتقالي الجنوبي ، ومن وراءه دولة الإمارات الداعم الأساس له . فهو يزعم أن من أهدافه استعادة دولة الجنوب وحقوق الشعب المنهوبة ، وتحقيق الأمن والعدل ومحاربة الفساد ، ورفع مستوى المعيشة والتنمية وغيرها … . ونجدها أهدافا سامية ، ولكن بالنظر إلى وسائلها وأساليب تحقيقها نجد تناقضا لا يرسخ اطمئنانا ولا ثقة في أن الغد سيكون أفضل من الماضي والحاضر . فكل ما يراه الناس اليوم في ظل قيادة الإمارات ، وسلطة المجلس وقوات النخبة والحزام ، يدل على مزيد من الفساد والتسلط .
ـ يرى الناس وطنا يعج بالفساد من خلال ما يلمسونه من نهب واختلاس لأموال وإيرادات وطنية ، ومن بسط وتملك لمؤسسات وأصول حكومية ، ومن سطو واحتلال لبيوت وأراض وممتلكات خاصة ، على يد رموز سياسية وأمنية وعسكرية ورجال عدل وقضاء ، وحاشيتهم وأذنابهم ، ممن قد أصموا أذاننا بموشحات محاربة الفساد والظلم .
ـ يرى الناس وطنا يعج بالفوضى والتمرد والتنازع ، ولا مكان فيه إلا للأقوى نفوذا وتسلحا ، ولا يخلو يوم فيه من عنف واغتيال وخطف ، ومواجهة مسلحة هنا وهناك . وطنا أصبح الإنسان يخشى فيه على نفسه يوميا ، من انتقام قائد ، أو نزوة مسؤول ، أو طمع متنفذ ، أو شطحة جندي . وطنا لا أمن فيه ولا أمان ، يغادره أهله من الوجهاء والعلماء والدعاة والتجار والمستثمرين والإعلاميين والحقوقيين ، ومن مختلف شرائح المجتمع ، فرادى وزرافات .
ـ يرى الناس وطنا لا وجود فيه لحرية الرأي والفكر والتميز والاستقلالية ، فكل ما يلمسونه هو تبعية كاملة للإمارات وقيادتها العسكرية على أرضنا ، فهي من تصيغ قرار المجلس ، وتحرك القوات نحو تصفيات أخوية جنوبية . وطنا جعل المجلس الانتقالي فيه من نفسه الممثل الوحيد للجنوب ، مقصيا كل المكونات والهيئات المعتبرة الأخرى ، وجعل قواته القوة الوحيدة المهيمنة على الأرض متحدية كل القوات الأمنية والعسكرية النظامية والرسمية الأخرى . وطنا لا مساواة فيه ولا استقرارا ولا تنمية . طغت فيه العصبية المناطقية ، وساد التنابز السياسي ، وتدهورت البنية التحتية وتدنت الخدمات ، وفي خضم هذا يدفع الأبرياء الثمن من أرواحهم وجراحهم ، صارت حياتهم قلقا ورعبا ومعانات . بينما تحصد الإمارات خيراتنا . مقابل فتات لا يساوي زبد موجة من بحرنا ، ولا ذرة غبار من ترابنا .
ـ دلائل جمة تلك التي لا تؤكد ما يدعيه المجلس والإمارات من تنمية وطن ، وأمن مواطن . فماذا تريد الإمارات ومجلسها من هذه الخطط المرسومة والأفعال المدروسة على أرض الجنوب . أظن أن ذلك لا يخلو من أمرين :
ـ إما أن هذا هو ما تريده الإمارات تماما ، ويحققه لها المجلس فعلا . أن يصل بالناس إلى قناعة جديدة معتبرة تؤكد إن الوحدة هي أهون شرا وأخف ضررا مما ينتظرهم في دولة الاستقلال . ولعل ما يؤكد ذلك أن من قادة المجلس الأعلى وفروعه بالمحافظات ، قيادات مؤتمرية عليا ، ومنهم من هم أشد وحدوية من أبناء الشمال . فهل يعقل أن تتحول فجأة أيدلوجية عشرات السنين لديهم إلى تضاد كلي مع ما اعتنقوه سياسيا وفكريا ؟ . كما أن الإمارات لا تخفى تحالفها مع أسرة صالح فكريا وسياسيا وماديا ، فلا يعقل أن تسعى في فصل الجنوب وخسارة هذا التحالف القوي . بل إن الدلائل ربما تشير إلى نيتها تمكينهم الحكم عبر بوابة الجنوب . ولعل وجود طارق صالح والحرس الجمهوري في عدن إلا مقدمة لذلك . وربما نكتشف يوما أن مجلسنا وراعيه الخليجي ! وجه أخر لصالح والحوثي .
ـ وإما أنها تريد إطالة زمن الميوعة السياسية والغنج الدستوري والهذيان الشعبي ، ليتسنى لها تحقيق أهدافها كاملة . وهي أهداف تخدم أرضها ودولتها ، دون أي اعتبار لحقوق الجنوب وأهله . ويدل على ذلك أنها وقفت ومجلسها وقواتها موقف الند المتمرد على قرارات ومواقف الشرعية ، وبلغ تحديها إلى حصار الحكومة وطردها من عدن . كما ويدل على ذلك ما تحقق من نتائج سلبية على المستوى الجماهيري ، فقد بدأ التلاحم الجنوبي في التفكك ، وأخذ الرأي الموحد في التفتت ، وبدأ يسود التعصب المناطقي والقيادي .
ـ وهكذا فإن المتابع المراقب لأعمالهم وقراراتهم ، أكانت تجاه الشرعية وسلطاتها التنفيذية ، أو تجاه غيرهم من المكونات والشخصيات ، سيجد أنهم يفقدون يوميا نسبة غير قليلة من ثقة الناس بهم والتفافهم حولهم . اليوم فقد الجنوبيون يقينهم السابق بأن الانفصال سيحمل لهم الخير والأمان ، فقدوه في ظل سلطة كل منجزاتها أحداث دموية ، وصدامات أخوية ، وإجراءات لا قانونية ، وانتهاكات لا إنسانية ، طوال ساعات نهارها وليلها .

│المصدر - الخبر

أضف تعليقـك