أخبـار العالـــم

تاريخ من القتل بالكيماوي: النظام السوري يستغل غياب المحاسبة

│الخبر | وكالات

لم يعد مستغرباً لجوء النظام السوري المتكرر إلى استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، في ظل غياب أي محاسبة له على ما يزيد عن 214 مرة استخدم فيها هذا السلاح، بحسب إحصائية للشبكة السورية لحقوق الإنسان، ووسط حماية روسيا له وتعطيلها أي إمكانية لمعاقبته في مجلس الأمن الدولي، وفي ظل اكتفاء دول العالم بالتصريحات المنددة، باستثناء مرة واحدة قامت فيها الولايات المتحدة بقصف قاعدة الشعيرات الجوية وسط سورية في إبريل/نيسان 2017 كرد على هجوم النظام الكيماوي على مدينة خان شيخون قبل أيام من ذلك التاريخ ومقتل نحو 90 مدنياً.
ويأتي الهجوم الكيماوي الجديد الذي استهدف مدينة دوما في الغوطة الشرقية ليل السبت-الأحد، وأدى إلى مقتل أكثر من 150 مدنياً وإصابة ما يزيد عن الألف، في سياق ارتياح النظام لغض النظر الدولي عن جرائمه خلال ما يزيد عن سبع سنوات من الثورة، وفي ظل “مروحة حماية” تؤمنها له موسكو، وهي التي كانت حضّرت سابقاً دفاعها إذ اتهمت في منتصف مارس/آذار الماضي فصائل المعارضة السورية “بالسعي إلى فبركة هجمات كيماوية تكون ذريعة لضربات غربية”، مدعية أنها عثرت على مختبر في بلدة افرتيس التي استعادتها قوات النظام حينها.
وفي استعراض للهجمات بالغازات السامة التي شنّها النظام السوري ضد مناطق خارج سيطرته، قدّم تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان أصدرته في 4 إبريل/نيسان الحالي بمناسبة مرور عام على هجوم خان شيخون الكيماوي، إحصائية تتحدث عن استخدام النظام الأسلحة الكيماوية ما لا يقل عن 214 مرة. وقالت الشبكة إن النظام استخدم الأسلحة الكيماوية 11 مرة منذ هجوم خان شيخون من دون أي محاسبة. فيما كانت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، أعلنت أنها منذ العام 2014، حققت في سبعين هجوماً بغازات في سورية من أصل 370 بلاغاً.
الهجوم الأبرز الذي سلّط الأضواء على هذه المجازر في بدايتها، كان الذي شنّته قوات النظام في 21 أغسطس/آب 2013، على الغوطة الشرقية ومعضمية الشام قرب دمشق، وأكدت المعارضة أن غاز السارين استخدم فيه. لكن النظام السوري، كما في كل مرة نفى ذلك. وفي نهاية ذلك الشهر، أعلنت الولايات المتحدة بـ”قناعة راسخة” أن النظام مسؤول عن ذلك الهجوم الذي أوقع 1429 قتيلاً بينهم 426 طفلاً. وفي 16 سبتمبر/أيلول، نشرت الأمم المتحدة تقريراً لخبرائها الذين حققوا في الهجوم، يتضمن “أدلة واضحة” على استخدام غاز السارين.
بعد هذا الهجوم حصل اتفاق أميركي روسي لتفكيك الترسانة الكيماوية التابعة للنظام السوري، على أن يقوم مجلس الأمن الدولي بعمليات مراجعات دورية عن استخدام النظام للأسلحة الكيماوية. وبحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد نصَّت كل قرارات مجلس الأمن التي صدرت في خصوص الأسلحة الكيماوية في سورية على أنَّه في حال عدم امتثال النظام لبنود الاتفاق الأميركي الروسي وقرارات مجلس الأمن، فإنّه يتعيَّن على المجلس فرض تدابير ضدَّه بموجب الفصل السابع. ولكن على الرغم من أن آلية التحقيق المشتركة التي انبثقت من قرار مجلس الأمن رقم 2235 أثبتت أنَّ النظام استخدم الأسلحة الكيماوية ثلاث مرات على الأقل، ولم تحصل أي محاسبة له، فيما عمدت روسيا إلى انهاء عمل هذه الآلية عبر فيتو في مجلس الأمن الدولي.
وكانت لجنة التحقيق المشتركة في نهاية أغسطس/آب 2016، اتهمت مروحيات عسكرية سورية باستخدام غاز الكلور في بلدتين في محافظة إدلب، هما تلمنس في 21 إبريل/نيسان 2014 وسرمين في 16 مارس 2015. وفي 21 أكتوبر/تشرين الأول 2016 صدر تقرير عن اللجنة يفيد بأن قوات النظام شنت هجوماً بالسلاح الكيماوي مستخدمة مادة الكلور في بلدة قميناس في محافظة إدلب في مارس/آذار 2015.
أما هجوم خان شيخون الشهير الذي وقع في 4 إبريل 2017، فقد أوقع 83 قتيلاً بينهم 28 طفلاً بحسب حصيلة الأمم المتحدة، فيما أفادت مصادر أخرى عن مقتل ما لا يقل عن 87 شخصاً. وبحسب أطباء ميدانيين، الأعراض التي عانى منها المصابون مماثلة للأعراض التي تسجل لدى ضحايا هجوم كيماوي. رداً على ذلك، قامت سفينتان أميركيتان في البحر المتوسط ليل السادس-السابع من إبريل، بإطلاق صواريخ كروز من طراز توماهوك على قاعدة الشعيرات الجوية وسط سورية. وفي 29 يونيو/حزيران، أكدت المنظمة الدولية لحظر الأسلحة الكيماوية أن غاز السارين استُخدم في الهجوم على خان شيخون من دون تحديد مسؤولية أي طرف.
ومن الهجمات الأخرى التي شنّها النظام، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان في 22 يناير/كانون الثاني 2018، أن قصفاً صاروخياً “شنّته قوات النظام على القسم الغربي من مدينة دوما، أدى إلى انتشار دخان أبيض تسبب بإصابة 21 مدنياً بحالات اختناق”.
تحدث سكان ومصادر طبية عن هجوم بالكلور. في 13 يناير/كانون الثاني أورد المرصد أنباء عن هجوم مماثل لقوات النظام على أطراف مدينة دوما تسبب “بسبع حالات اختناق”.
وفي الرابع من شباط/فبراير الماضي، سُجلت حالات اختناق في سراقب في محافظة إدلب، ونقل المرصد السوري عن سكان ومصادر طبية أن “غازاً ساماً” انتشر في المدينة.
في 25 من الشهر نفسه تحدثت معلومات عن 14 حالة اختناق بعد قصف للنظام على الغوطة الشرقية.
وأشار طبيب إلى “شبهات باستخدام أسلحة كيماوية وعلى الأرجح هجوم بغاز الكلور”.
وفي التقرير الذي قدّمته الشبكة السورية لحقوق الإنسان قبل أيام، قال مديرها فضل عبد الغني، إن “استخدام النظام السوري المتكرر والواسع النطاق للأسلحة الكيماوبة يُشكِّل جرائم ضد الإنسانية، يجب على أعضاء منظمة حظر الأسلحة الكيماوية تحمُّل مسؤولياتهم أمام الشعب السوري”.
مضيفاً: “لم نلحظ أي رد فعل حقيقي على تحطيم النظام السوري لاتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية، حان الوقت لفعل شيء ما أمام التاريخ المعاصر”.
واعتمد تقرير الشبكة السورية بشكل أساسي على مقابلات مع ناجين أُصيبوا جراء هجمات بأسلحة كيماوية، وأطباء عالجوهم، ومسعفين، وشهود عيان، وعناصر من الدفاع المدني.
وبحسب التقرير فقد تحدث فريق الشبكة مع 32 شخصاً، واستعرض التقرير 19 شهادة حصل عليها الفريق عبر حديث مباشر، وتناول التقرير استعراضاً لثلاثة أنواع من الذخائر المحمَّلة بالغازات السامة استخدمها النظام السوري في هجماته الأخيرة.
قدَّم التقرير إحصائية تتحدث عن استخدام النظام الأسلحة الكيماوية ما لا يقل عن 214 مرة، منها 33 هجوماً قبل قرار مجلس الأمن 2118 (الصادر في 27 سبتمبر/أيلول 2013 والقاضي بنزع السلاح الكيماوي للنظام) و181 هجوماً بعده.
من بين الهجمات الـ181، وقع 112 هجوماً بعد القرار 2209 (الصادر في مارس/آذار 2015) و56 هجوماً بعد القرار 2235، (لإنشاء آلية التحقيق المشتركة بالهجمات الكيماوية) و4 هجومات بعد الفيتو الروسي في ما يخص تمديد عمل مهمة آلية التحقيق المشتركة، وقد تسبّبت كل تلك الهجمات في مقتل ما لا يقل عن 1421 شخصاً، بينهم 187 طفلاً، و244 امرأة.
وأكد التقرير أنَّ النظام خرق الاتفاق الأميركي الروسي، واتفاقية حظر استخدام الأسلحة الكيماوية، وكل قرارات مجلس الأمن المختصة بالأسلحة الكيماوية (2118، و2209، و2235)، وبالتالي يجب على منظمة حظر الأسلحة الكيماوية باعتبارها جهة متضررة وجزءاً من هيئات الأمم المتحدة، أن تُقدّم ادعاء إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وأن تُطالب بمحاسبة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيماوية، نظراً لمخالفتهم بنود الاتفاق الموقَّع بين النظام والمنظمة، عبر إحالة أعضاء المنظمة وبعد موافقة ثلثي أعضائها الـ41 الملف على الأمين العام للأمم المتحدة، والذي يحيله بدوره على النائب العام للتحقيق وتحضير الملف للمحكمة الجنائية الدولية.
وأشار التقرير إلى أنه في ظل فشل مجلس الأمن، يجب على الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تحلَّ مكانه في هذا الخصوص، وأن تعقد جلسة استثنائية طارئة، والحصول على قرار مشابه للقرار 377 عام 1950، وهذا بحاجة لتأييد سبع دول من ضمنهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن.

أضف تعليقـك