كتابـــات وآراء

بورصة الرؤساء والسياسيين .. بين الأخضر والأحمر

أبو الحسنين محسن معيض

│بقلم | أبو الحسنين محسن معيض

عجيب أمرنا ! ، كيف تتغير نظرتنا وتتبدل قناعاتنا نحو العديد من الأشياء على ساحتنا السياسية والاجتماعية . ففي لحظة ـ طال أمدها أم قصرـ قد يصبح الظالم عادلا ، والطاغية رحيما ، والخائن أمينا ، والعدو خليلا . ويتبدل معها مباشرة كل ما تم تسويقه لنا إعلاميا ، أو ما فرضوه علينا حكوميا ، من تهم وسيئات أحاطوها بالهدف الذي تمت إزاحته وإقصاءه عن سلطته وحكمه . وفي الجمهورية العربية اليمنية بدأ الأمر مع أول رؤسائها الجمهوريين :
ـ عبد الله يحيى السلال ( 1917 ـ 1994 )
تولى الحكم في الفترة ( 1962 – 1967) . وأُطيح به في انقلاب نفذه ضباط الصاعقة والمظلات في 5 نوفمبر 67م ، حينما كان في زيارة للعراق . وكان مبرر الانقلاب هو خطورة ما وصل له حال الثورة ، حيث طال الاعتقال الجمهوريين المعارضين ، وتم سجن عدد من كبار السياسيين والعسكريين اليمنيين في مصر ردا على مواقفهم السياسية المعارضة .
ـ القاضي عبد الرحمن بن يحيى الإرياني ( 1910 ـ 1998 ) .
تم اختياره رئيسا للمجلس الجمهوري للفترة ( 1967 ـ 1974 ) . وفي 73م كانت أجواء السياسة في صنعاء متوترة ، حيث وقف عسكريون وشيوخ قبائل ضد رئيس المجلس . والذي أُطيح به في انقلاب أبيض في 13 يونيو 74م ، بينما تؤكد روايات أنه قدم استقالته طواعية قبل ذلك . وكانت حجة الانقلاب بأن إدارة الدولة غير فعالة ، مما أدى إلى تأزم الوضع السياسي ، وزيادة الصراع بين شخصيات الدولة ، وتفلت أجهزة ومؤسسات الحكومة .
ـ إبراهيم الحمدي ( 1943 ـ 1977 ) .
تولى الحكم في الفترة ( 1974م ـ 1977م ) بعد أن قاد حركة 13يونيو التصحيحية ، منهيا حكم القاضي الأرياني . تم اغتياله مع أخيه في ظروف غامضة ، قبل يومين من موعد زيارته إلى عدن . يُعزى اغتياله إلى صراع مع قوى قبلية أقصاها عن السلطة ، وإلى معارضتهم وحلفائهم الإقليميين تجاه الوحدة مع الجنوب . ولم يقم أي تحقيق لكشف الفاعلين . وتم تمييع الحدث شعبيا بتلفيق تهمة أخلاقية لهما ، حيث وُضِعت جثتاهما مع فتاتين فرنسيتين في وضع غير سوي .
ـ المقدم أحمد حسين الغشمي ( 1977 ـ 1978 )
خلف الحمدي في الرئاسة لأقل من سنة . تم اغتياله في مكتبه يوم24 يونيو 78 ، إثر انفجار حقيبة دبلوماسية ملغومة حملها مبعوث رئاسي من شطر اليمن الجنوبي . وكان مبرر قتله أنه انتقام من الرئيس سالمين لمقتل الحمدي .
ـ علي عبد الله صالح ( 1974 ـ 2017 )
الرئيس السادس لشمال اليمن ( 1978 ـ 1990 ) ، والأول لليمن الموحد من ( 1990 ـ 2012 ) . حكم بعد مقتل الغشمي بفترة قصيرة . وفي فبراير 2011م قامت ضد حكمه احتجاجات عُرِفت بثورة الشباب ، والتي أدت إلى تسليمه الحكم كفترة انتقالية لنائبه ( عبدربه منصور ) . ومن خلال الحصانة الممنوحة له خليجيا فقد لعب دورا حاسما في عقد تحالفات قبلية وعسكرية مكنت الحوثيين من دخول عمران ، ثم صنعاء في 21 سبتمبر 2014م . وأعلن فيما بعد تحالفه مع الحوثي ضد الشرعية والتحالف . وفي 4ديسمبر 2017م قام الحوثيون بقتله في منزله بصنعاء .
وفي جنوب اليمن لا يخلو المشهد من تكرار النمط الشمالي في الانقلابات السياسية والتهم المتعددة .. :
ـ قحطان محمد الشعبي ( 1923 ـ 1981 )
أول رئيس لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية ( 1967م ـ 1969م ) . عند ظهيرة يوم 29 نوفمبر67م شهد العالم لحظة توقيع قحطان الشعبي ولورد شاكلتون ، على اتفاقية استقلال جنوب اليمن بعد احتلال بريطاني دام نحو 129 عاماً . ونتيجة للتآمر الداخلي من قبل ” اليسار الطفولي ” في التنظيم السياسي الحاكم ، قدم الرئيس قحطان إلى قيادة الجبهة القومية استقالته من كافة مناصبه في 22 يونيو69م ، وأُحتجز مع رئيس الحكومة فيصل عبد اللطيف في منزليهما ، وفي مارس 70م نُقلا إلى “معتقل الفتح”، وفي مطلع أبريل 1970أُغتيل فيصل عبد اللطيف في زنزانته ، وظل قحطان معتقلا تحت الإقامة الجبرية ، دون تهمة أو تحقيق أو محاكمة ، حتى أُعلن في عدن عن وفاته في 7 يوليو 81م .
ـ سالم ربيع علي( سالمين ) ( 1935 ـ 1978 م )
رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ( 1969 ـ 1978 ) . وبدأ بعد فترة من حكمه ينهج دربا منفردا عن سياسة التنظيم السياسي الموحد للجبهة القومية ، من خلال التقارب مع الرئيس الحمدي والتوافق معه على خطوات عملية لوحدة البلدين ، ومن خلال الانفتاح على الصين الشعبية على حساب روسيا ، كما كان معارضا لفكرة قيام الحزب الاشتراكي اليمني التي طرحها عبد الفتاح إسماعيل . وبعد مقتل الغشمي سنحت الفرصة أمام معارضي نفوذه للتخلص منه ، فتمت مهاجمة مقره بالطيران الحربي ، وبعد مقاومة يسيرة تم القبض عليه ، وتصفيته في 26 يونيو 78م ، دون محاكمة .
ـ عبد الفتاح إسماعيل علي الجوفي ( 1939 ـ 1986 )
أول أمين عام للحزب الاشتراكي اليمني ورئيس الدولة ( 1978 ـ 1980 ) . ويعتبر مُنظر سياسة اليمن الديمقراطي الفكرية والتنظيمية ، ونتيجة لضغوط داخلية استقال من جميع مناصبة عام 80م ، مغادرا إلى موسكو . ومع تصاعد الصراع السياسي بين أطراف المكتب السياسي ، بين جناح ( علي ناصر ) وجناح معارضيه بقيادة ( علي عنتر ) ، عاد في 85م متحالفا مع عنتر ، حتى أحداث يناير 86م ، وفيها لقي ( فتاح ) مصرعه محترقا داخل مدرعة حاولت إخراجه .
ـ علي ناصر محمد ( 1939م )
تولى رئاسة الجمهورية لفترتين رئاسيتين . رئيسا لمجلس الرئاسة من 26 يونيو78م ، حتى 27 ديسمبر78م . ورئيسا للجمهورية ( 1980 ـ 1986 ) . واتسم عهده باعتدال سياسي وانفتاح اقتصادي ، مما أدى إلى اعتراض جناح يقوده المناضل علي عنتر ، وزادت حدة هذا الصراع بعد عودة ( فتاح ) من منفاه ، وأدت إلى حرب 13يناير 86م . وغادر علي ناصر منهزما إلى شمال اليمن مع أكثر من 6000 شخص من أنصاره .
ـ علي سالم البيض ( 1939م )
رئيس الجمهورية ( 1986 ـ 1990 ) ، وهو من وقع اتفاقية الوحدة مع الرئيس صالح في 22مايو 90م . تقلد منصب وزير الدفاع في أول حكومة بعد الاستقلال حتى عام 69م . عضو المكتب السياسي للجبهة القومية ثم الحزب الاشتراكي ، وفي عهد (فتاح) تم تجريده من مناصبه الحزبية والحكومية لتجاوزات ومخالفات قام بها ، ومنها مخالفة قانون الزواج بالثانية . وعاد في عهد علي ناصر متحالفا ضده ، لينجو من الموت في أحداث يناير 86م . وظل شريكا في رئاسة دولة الوحدة حتى حرب مايو 94م ، والتي انتهت في 7 يوليو94م . ليغادر عدن لاجئا سياسيا إلى سلطنة عمان .
ـ اليوم وبعد كل تلك الانقلابات وما لحق بالخصوم من تصفية وسجن ونفي ، وتهم بالخيانة للدولة والوطن والشعب ! وغيرها مما كان يتم ديباجته في صحيفة الاتهام . اليوم هل بقي شيء من تلك التشوهات عالقا بهم ؟.
مطلقا ، لقد تم إعادة اعتبارهم سياسيا ووطنيا وتم نفض ما لحق بهم من تهم وخيانة . حتى صالح وقادته وأعوانه ، من تحالفوا وقاتلوا مع الحوثي ، وتعلق بهم حق شرعي قريب عن دماء وجراح وأرواح ، عادوا بعد كل ذلك أبطالا . فهل كان كل ذلك الزخم الثوري الشعبي منذ أول انقلاب ، مجرد عواطف وطنية كاذبة تم شحنها فينا فانطلقت جوارحنا تدمر وتعربد قولا وفعلا ؟ .
وعليه فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة وألم !!، لماذا كانت تلك الانقلابات والصراعات ؟، والتي خلفت جراحا نفسية ، وانشقاقات أهلية ، وانتهاكات إنسانية ، وأدت إلى تدمير منشئات وطنية ، وخسارة كوادر مدربة ومؤهلة إداريا وعلميا وعسكريا . وقد كشفت حقائق الأحداث أنهم لم يكونوا جميعا خونة ولا عملاء ، ولم يحاولوا جميعا حرف أهداف الثورة ، وخيانة الوطن ، والتفريط في ثوابت الأمة ، ولا غيرها مما اتهمهم به منفذو الانقلابات . فهل كان الأمر مجرد نزوات واثبات قدرات واختبار قوات ؟ ، أم كان تصفيات تنظيمية وسياسية ، كي يضع أحدهم مؤخرته على كرسي الحكم من الأفراد والمكونات ، أو الأفكار والنظريات ؟.
أم كان كل ذلك تنفيذا لأجندات خارجية ، وتمريرا لمخططات أجنبية ؟ . وكان ثمنها سيولا من الدماء بين الأخوة ، وبنايات من عظام الأحبة . فهلا تدبرنا كثيرا فيما مضى ، وتفكرنا طويلا فيما جرى . لعلنا نقرر اليوم أن نعود أهل إيمان وحكمة .. حقا وصدقا وعدلا.

│المصدر - الخبر

أضف تعليقـك