كتابـــات وآراء

أين ولدي !؟ أين زوجي !؟ أين أبي !؟ .

أبو الحسنين محسن معيض

│بقلم | أبو الحسنين محسن معيض

مطلعُ السبعينات ، كنت طفلا في العاشرةِ من عمري ، أقفُ مع تباشير الصباح ، أمامَ سكن مدير جهاز أمن الثورة محمد سعيد عبدالله ( محسن ) ، ممسكا بورقةٍ تحمل التماسا ، أن يخبرني عن مصير أبي ( عمي ) والتكرم بإطلاق سراحه ، حيث اصطحبه قبلَ أشهرٍ من محلِه التجاري بمدينة كريتر ، رجالُ أمنٍ بلباس مدني . وكنت في انتظار خروج المسؤول أجلسُ متفرسا فيمن حولي ، فأرى وجوها كساها حزنٌ لا يوصف ، وقلوبا كسرها قهرٌ لا يطاق ، ونفوسا ذللها ظلمٌ بلا حدود . كان أكثرُنا كبارَ السن من الجنسين ، وقليلٌ من نساء في متوسط العمر ، وأترابي من الأطفال . كلهم قد تسمرت أعينُهم على الباب ، وهم يمنون النفسَ أن يمنحَهم ردا يعيد لهم أملا ، يُثلِجُ صدرا احترق ، ويجبر قلبا تمزق ، فإذا ما خرج تدافعنا نحو سيارته ، فنمدُ أوراقنَا نحوه ، فتارة يجمعها مرافقُه ، وتارة يقرأ هو بعضها ، فيرد ردا مقتضبا يحمل مماطلة مسؤول .

وأذكرُ يوما أنه قال لي : ” والدك موجود ، وبعد انتهاء التحقيق سيخرج ” . كلمات لم أدرك أثارَها ، فنقلتها حرفيا لعمي المنتظر بعيدا في سيارته ، وكم فاجأني حجمُ الاستبشارِ الذي طغى عليه بما نقلته له . وكان ذلك اليوم من أسعد أيام أسرتنا وأقاربنا ومعارفنا ، لقاء كلمات مطاطية لا تعني لقائلها شيئا ، ولكنها كانت لنا رحيقا وبلسما .
تلك أيام تعددت فيها وسائلُ طرق الأبواب للحصول على إجابات .

كان يأتي أهلي كلَ يومٍ حاملُ خبرٍ جديد ، عن وجود عمي في سجن هنا ومعتقل هناك ، في الفتح بعدن ، والمهرة ، وأبين ، والضالع ، وسقطرى ، حتى دولة ( كوبا ) أوصل ناقلو الأخبار عمي إليها . ووصلهم يوما خبرٌ عن وجود مساجين في حصن بعيد عن العمران بمديرية إحدى المحافظات ، لا أتذكر !! أهي لحج أم أبين ؟ . وبعد ترتيب مخطط الحركة مع أقارب لنا ، اصطحبني عمي معهم ، وترجلنا الاثنان بعيدا عن الموقع المحدد ، وسرنا على الأقدام نحو الحصن الطيني .

وغير بعيد منه تلقانا مسلحان بلباس مدني ، وسألانا عن سبب قدومنا ، فأخبرهم عمي أنه يبحث عن أخيه ، وقد سمع عن وجود مساجين هنا ، فأتى ليتأكدَ من وجوده بينهم. فاقتادنا الرجلان إلى مركز شرطةِ تلك المحافظة ، ليتم التحقيق مع عمي ، بينما بقيتُ منتظرا بقلق وخوف بالقرب من الباب لخارجي .

وأذكر بعد ساعات خروجنا ليلا بمعية أقاربنا ، الذين تظاهروا بالمرور صدفة أمام الشرطة حين رأوني ، فدخلوا للسؤال . لا أدري كيف خرجنا وما تعلق بذلك من عقاب أو ثمن . وفي يوم أخر أخذني عمي من صف المدرسة ، وذهبنا باتجاه المنصورة ومعنا صديق له ، وكانا في الطريق يتحدثان أن المطلوبَ ابنُ ثمان سنوات ، وأنا أبلغ من العمر11عاما ، وكانا يأملان أن أسدَ الغرض ، ولم أدر عما يتحدثان .

وأذكر أنا دخلنا بيتا أرضيا ، ورجلا يجلس على كرسيه ، وهو يقول ” لا يفي هذا الولد بالمطلوب ” ، فأصر عمي وصديقُه على التجربة ، فوضع الرجلُ على طاولة صغيرة كأسا زجاجيا فيه ماء ، وفي قعره قطعة نقد ( شلن ) ، وطلب مني الجلوس والنظر بتمعن فيها ، وإخبارهم بما أراه ، فأخذت أحدثهم عن رؤية أشخاص وأماكن .

ولا أدري هل ما سردته عليهم تخيلُ سحرٍ منه ، أم نسجُ خيالٍ مني لأقنعهم بنجاحي . وهكذا طوال سنوات ظللنا نطاردُ الأملَ ونطردُ اليأسَ ، نطرق الأبواب ونطارد السرابَ بكل وسيلة وطريقة ، حتى أنهكنا الظلمُ والظلامُ ، فاستسلم الروحُ لهما . طافت بي تلك الذكريات ، وأنا أرى الحدثَ يتكرر اليوم ، في اعتصام هنا وهناك لأهالي مختطفين ومعتقلين .

وكم يبلغ بنا العجب أن يصرحَ نائبُ وزيرِ الداخلية مُنكِرا وجود سجون سرية في اليمن ، ووجود معتقلين ومخفيين فيها . بينما تؤكد منظماتٌ حقوقيةٌ وإنسانية ودولية ، ومراكزُ دراسات وتحقيقات ، وشهودُ عيان ، وأهالي معتقلين ، وغيرهم .

عن وجود سجون سرية في جنوب اليمن ، بيد جهات عسكرية خارجة عن السلطة الشرعية ، تشرف عليها وتديرها قواتٌ إماراتيةٌ. فإن كان تصريحُ نائبِ الوزير صحيحا ! فأين ذهب مئاتُ المخطوفين والمعتقلين !
هل خطفتهم كائناتٌ فضائية ؟ ، أم وطأتهم ناقةٌ إماراتية ؟ .

│المصدر - الخبر

أضف تعليقـك